الــــــــــــــــــجزائـــــــــر بـــــــلد الـــــــثــــــــوار

مرحبا بك في عائلتنا المتواضعة عائلة الجزائر بلد الثوار
عزيزي لا تترك قلمك جامدا هذا ضد الثقافة
الــــــــــــــــــجزائـــــــــر بـــــــلد الـــــــثــــــــوار

المنتديات الجزائر بلد الثوار هي منتديات الجزائرية الإجتماعية و الثقافية هدفها نشر العلم و المعرفة و تكافل و تراحم و ترابط


    من أعلام الجزائر الشاعر والديب صالح خرفي

    شاطر

    72fifi



    انثى
    عدد الرسائل : 3347
    البلد : الجزائر ( المنيعة)
    العمل/الترفيه : الانترانت
    نسبة النشاط :
    50 / 10050 / 100

    السٌّمعَة : 2
    تاريخ التسجيل : 10/01/2007

    بطاقة الشخصية
    نقاط التميز: 170
    الأوسمة:

    default من أعلام الجزائر الشاعر والديب صالح خرفي

    مُساهمة من طرف 72fifi في الثلاثاء 4 ديسمبر 2007 - 16:26

    الشاعر والأديب صالح خرفي
    في الرابع والعشرين من شهر نوفمبر 1998م غادرنا الدكتور صالح الخرفي إلى جوار ربه، هذا الرجل الذي يحق لنا أن نعده أحد أعلام الجزائر المعاصرين، بما تركه من وقع في المسار الثقافي والعلمي لجزائر الاستقلال، وبما خلد لنا من أعمال وإنتاج فكري وأدبي زاخر يبقى شاهدا على جهوده ومساعيه في سبيل تنوير أبناء الجزائر.
    في هذه الذكرى الثانية لرحيل الرجل نرى أنه من أقل واجبنا نحوه أن نقف لحظات مع حياته ومساره، مشيدين بأعماله ومذكرين بجهاده في سبيل دينه ووطنه، حتى نكشف عليه للأجيال الصاعدة ونعرف بشخصيته لتكون مثالا يقتفى ومنهاجا يتبع ومشعلا يستنار به، وحتى لا نتركه لرياح النسيان والتهميش تنال منه كما نالت من الكثير أمثاله من نبغاء الجزائر وأعلامها.
    الدكتور صالح الخرفي مثال للطموح الذي يجعل من الإنسان الذي لم يكن شيئا مذكورا إنسانا فعالا مؤثرا وصانعا للكثير من الأحداث التي سجلها التاريخ في دفته بأحرف من ذهب.
    بهذا الطموح المتوقد في نفسية صالح الخرفي الفتى جعله يتنقل من بلدته التي كانت في وسط صحراوي ناء ومنعزل إلى أكبر المحافل العلمية والأدبية والسياسية في مختلف الأوطان الإسلامية والعربية مشرقا ومغربا حاملا رسالة بلده ومسمعا صوته.
    وبعد أن بلغ ما بلغ وأصبح صالح الخرفي الدكتور والأديب والشاعر فإنه لم يتنكر يوما لوطنه ولا لبلدته، ولم ينس يوما فضل من سبق فضله عليه في ميدان التربية والتعليم ومن غرس في قلبه ذات يوم بذور الصلاح وقيم الأخلاق ومبادئ الإسلام، فاحتفظ بهذا الجميل في وجدانه ورده لوطنه ولأهله كلما سمحت الفرصة، واقتضى الأمر.
    كان يعقد الزيارات المتتالية إلى وطنه وإلى موطنه الأول مسقط رأسه ليتفقد أحوال مشايخه ورفاق دربه العلمي والاجتماعي ويساهم بما خصه الله تعالى من تجربة وخبرة في مجال الثقافة والإدارة في كل ما يعرض عليه من مشاريع وبرامج لخدمة أهله وطنه وإصلاح أوضاعه وتحسين أحواله.
    وكم تألم لما آلت إليه الجزائر في أزمتها ومحنتها وكم كان يدعو إلى لمّ الشتات وتناسي الضغائن وجمع الكلمة وإبعاد الفرقة، ليوحد الصف من جديد وتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي، وقد كان يقول أن الجزائر تعيش مرحلة مخاض، سيتولد منها خير ومنفعة للأجيال الآتية، وأن تجربتها هذه ستكون مثالا لكثير من الدول الإسلامية والعربية في مجالات عديدة من الحياة(1).
    بعد هذا التقديم أحاول الوقوف مع أهم المحطات في حياة الدكتور صالح الخرفي والعوامل المؤثرة في شخصيته:


    1- الترجمة الذاتية والسيرة العلمية والعملية:
    صالح بن صالح الخرفي من مواليد بلدة القرارة بوادي ميزاب سنة 1932م، التحق بمدرسة التربية والتعليم التابعة لجمعية العلماء بباتنة سنة 1938م، ثم عاد إلى القرارة ليستكمل دراسته الابتدائية بمدرسة الحياة، فاستظهر كتاب الله العزيز سنة 1946 وهو لم يبلغ سنة التكليف، ثم التحق بمعهد الحياة ليزاول دراسته الثانوية، وهنالك تفتقت مواهبه فنهل من أصول العلوم الشرعية والأدبية، وعرف العلاقة الوطيدة بين الأخلاق والمعرفة.
    غادر الجزائر سنة 1953 موليا وجهه شطر تونس الخضراء لمواصلة مشواره العلمي في جامع الزيتونة ومدارس الخلدونية. وجلس بين يدي علمائها فترة من الزمن مغترفا من حلقاتهم ألوانا من العلوم الشرعية والفنون الأدبية.
    في تونس كانت له نشاطات أدبية وثقافية متنوعة شارك بها في محافل ولقاءات عديدة، كما كان له إلى جانب ذلك نشاط صحفي وإعلامي، حيث أسهم بمقالاته في الصحافة التونسية وأذاع في قنواتها بما كانت تجود به قريحته من الشعر، وبما كان يمليه قلمه من أفكار حول ثورة الجزائر المباركة وقضيتها العادلة، فعمل على استنهاض همم الجالية الجزائرية المتواجدة في تونس، كما استنهض الشعب التونسي ليقف مع إخوانه في جهادهم ضد المستعمر الفرنسي الغاصب. وقد كان يكني نفسه في هذا العمل بأبي عبد الله صالح، ليستخفي من أعين الاستعمار ومتابعاته.
    ومع الطلبة الجزائريين كان له حضور ونشاط آخر مع رفاقه الذي غادروا الجزائر لنفس المهمة والهدف، فجمعهم العمل الطلابي تحت مظلة منظمة اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين بفرع تونس سنة 1956م، فكان عضوا في إدارتها.
    وتمثيلا للقضية الجزائرية وتعريفا لها سافر من تونس إلى المشرق بجواز سفر تونسي يحمل اسما مستعارا هو "حمودة الحبيب" وشارك به في ملتقيات أدبية ومحافل علمية. مخاطبا ومدويا بالقضية الجزائرية، وملقيا القصائد الشعرية ومتغنيا بثورة الجزائر وبطولاتها المجيدة.
    إلى أن أتت سنة 1957 حيث أتاحت له الظروف بعد محاولات كثيرة أن ينتقل إلى مصر ويستقر في القاهرة لمواصلة مشواره الدراسي في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة. فتحصل سنة 1960 على شهادة الليسانس.
    عاد بعد ذلك إلى تونس ليتولى مهمة كلفته بها وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة الجزائرية ألا وهي التعبئة السياسية في صفوف اللاجئين الجزائريين في الحدود التونسية الجزائرية في المنطقة الرابعة المعروفة بمنطقة الكاف. واستمر عمله هناك إلى فجر الاستقلال.
    دخل أرض الوطن بعد الاستقلال مباشرة وعمل مسؤولا للعلاقات الثقافية بين الجزائر والبلاد العربية في وزارة التربية الوطنية.
    كما أن طموح شارعنا وأديبنا جعلاه لا يرضى بمستواه العلمي ويتطلع إلى ما هو أعلى ويسعى للحصول على أرقى الدرجات والمراتب العلمية، حيث سجل رسالته للماجستير في نفس الجامعة التي تخرج منها بالقاهرة، فأعد بحثا حول شعر المقاومة الجزائرية ونال به شهادته سنة 1966 بتقدير امتياز، وأثناء سنتي 1968 - 1969 أقام في القاهرة متفرغا لإعداد أطروحة الدكتورا بنفس الجامعة في موضوع الشعر الجزائري الحديث، فنالها سنة 1970م.
    خلال فترة الستينات كان شاعرنا متفرغا للعمل العلمي الأكاديمي مساهما في تكوين أجيال الاستقلال الأولى، فبالإضافة لانشغاله بإعداد بحوثه الجامعية فقد دخل الجامعة سنة 1964 مدرسا في معهد اللغة والأدب العربي بجامعة الجزائر وتدرج في سلكها الوظيفي من أستاذ مساعد إلى أستاذ محاضر، كما تولى رئاسة المعهد من سنة 1971 إلى سنة 1976.
    إلى جانب عمله في الجامعة فإن الأستاذ كان حاضرا في مجالات أخرى للثقافة والمعرفة حيث تولى رئاسة تحرير مجلة الثقافة الصادرة من وزارة الثقافة بين سنة 1971 – 1976.
    وكان ضمن المثقفين الجزائريين الأولين الذين فكروا في تأسيس اتحاد الكتاب الجزائريين ووضعوا اللبنات الأولى لصرخه العظيم وأعطوا الدفعات الأولى لانطلاقه سنة 1964.
    كما كان ضمن الداعين إلى تعريب الجامعة الجزائرية فأسهم بجهوده وآرائه في المناهج العلمية والطرق والخطوات المتبعة لأجل تحقيق ذلك فعمل ضمن اللجنة الوطنية للتعريب التي أنشأتها وزارة التعليم العالي والبحث والعلمي من 1971 إلى سنة 1976.
    كما كان عضوا في لجنة إصلاح التعليم العالي التابعة لوزارة التعليم العالي سنة 1971.
    بعد أن أسهم بجهوده العلمية في خدمة وطنه والرفع من المستوى المعرفي لأبنائه مدة خمسة عشر سنة، اختاره بلده ليمثله في الخارج في منظمة الجامعة العربية، فما كان منه إلا أن يستجيب للطلب ويحزم رحاله للانتقال إلى جمهورية مصر العربية ويحل بالقاهرة موطن تكوينه العلمي ونضجه المعرفي.
    غادر الجزائـر سنة 1976 ملتحقا بعمله في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فمكث في القاهرة إلى بداية الثمانينات، ثم نقل مقر المنظمة من القاهرة إلى العاصمة تونس بعد اتفاقية "كامديفد" بين مصر وإسرائيل، وانتقل بدوره للعمل في تونس.
    كما تولى رئاسة تحرير مجلة المنظمة المسماة "المجلة العربية للثقافة' سنة 1981م.
    وبقي مشتغلا فيها إلى سنة تقاعده في بداية التسعينات.
    خلال كل هذه الفترة التي قضاها الأستاذ خارج بلده كان وفيا له في تمثيله أحسن تمثيل، وفي زيارته كلما سمحت له ظروفه بذلك، ومشاركة أهله وإخوانه في أفراحهم وأعيادهم والإسهام بخبرته وتجربته وآرائه في كل ما ينفع بلده.
    وكذا الإسهام بملكته المعرفية الغزيرة في الملتقيات العلمية والأدبية والشعرية والتحليق بالناس بما جادت به خواطره من جولاته ولقاءاته في ربوع البلدان العربية مشرقا ومغربا؛ التي كان يزورها بين الحين والآخر في إطار أعماله ضمن المنظمة العربية.
    إن العمل الإداري الذي مني به أديبنا في المنظمة العربية لم يجعله ينقطع أبدا من الساحة العلمية الثقافية أو يبتعد عنها، إذ أن قلمه بقي سيالا مبدعا متجددا طوال حياته.
    ولأستاذنا مشاركات في عدة بحوث علمية في إطار عمله في المنظمة العربية نذكر منها:
    ـ مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، سنة 1985
    ـ العلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الإفريقية سنة 1985
    ـ من قضايا اللغة العربية المعاصرة، سنة 1990 (2)
    في بداية التسعينات نال أديبنا تقاعده المهني وجدد العزم للانطلاق في رحلة البحث والمعرفة؛ ولم يكن هذا التقاعد نهاية لنشاطاته العلمية واستكانة إلى الراحة أو توجيها لاهتماماته إلى مجالات أخرى خارج الثقافة والعلم كما يحلو للبعض من أمثاله أن يفعل حين بلوغهم مثل هذا العمر، بل كانت هذه المحطة بداية جديدة له في الجهاد بالقلم والكلمة في كتابة التاريخ وفي التعريف بأصول هذه الأمة وجذورها وكشف الحجب عن عظمائها ومقوماتها.
    فضل شاعرنا البقاء في الغربة بتونس مواصلا فصلا آخر من الجهاد تمثل في الاهتمام بتاريخ الحركة الوطنية التونسية، باحثا عن وثائقها وجامعا أرشيفها منقذا إياه من الضياع والإتلاف الذي مس الكثير منه، فاهتم بشخصية الشيخ عبد العزيز الثعالبي التي طمس كل أثر لها في تونس حتى كاد لا يعرفه ولا يذكره أحد من المثقفين التونسيين فكيف بعامتهم؛ وهو الذي كان القائد المخلص لدينه وشعبه ووطنه ضد المستعمر الفرنسي، وضحى بكل ما يملك وأفنى حياته في خدمة قضية شعبه، وترعرعت على يده وانطلقت الدفعات الأولى للحركة الوطنية التونسية التي كان لها الفضل في استقلال تونس من بعد(3).
    جمع عمله وأخرجه إلى نور الحياة كتابا يروي تفاصيل حياة الزعيم التونسي وجهاده وجهوده الجبارة في سبيل نيل تونس استقلالها عنونه بـ: الشيخ عبد العزيز الثعالبي، من آثاره وأخباره في المشرق والمغرب
    ثم حقق أحد كتبه الذي بقي لفترة طويلة مخطوطا لم يول له الاهتمام، وبقي مغمورا لا أحد يعرف عنه شيئا، وهو بعنوان: الرسالة المحمدية(4).
    وأثناء عمله هذا كان الدكتور صالح الخرفي يترقب ويتوقع أي رد فعل من السلطات التونسية، قد يكون طردا من تونس إلى الأبد أو متابعات قضائية قد تنتهي به إلى غياهب السجون، أو ملاحقات ومضايقات واستنطاقات.
    لكن إيمانه بالقضية جعله لا يبال بكل هذا واندفع وراء إنجاز مهمته بكل ثقة وتوكل على ربه، وإيمان بمهمته.
    وفعلا فإن الله تعالى قد حقق له أمنيته ووفقه ليرى ثمار جهوده وبلغه أن يشهد طبع بحثه وإدخاله إلى تونس وأن يلقى صدى طيبا لدى عامة الشعب ولدى الطبقة المثقفة منه خاصة، فعرّف بالكتاب واهتمت به الصحف ودارت حوله حصص إعلامية(5).
    ولعل العناية الربانية بشاعرنا كانت تحوم به من كل جهة وتحط أجنحتها بين أجنبه حيث عرف عليه في الشهور الأخيرة قبيل وفاته انكبابه على تلاوة القرآن الكريم والتعمق في معرفة أحكامه من بعض التفاسير التي كانت بين يديه(6).
    وهكذا ختم الله تعالى أنفاسه في هذا الجو المهيب في تونس العاصمة بعد مرض مفاجئ أصابه وقبض روحه وصعد إلى باريه في يوم 24 نوفمبر من عام 1998م.
    ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه بالقرارة بوادي ميزاب وووري التراب في محفل مهيب حضره عدد من مسؤولي الدولة وإطاراتها وجمع من أصدقائه ومشايخه الذين شهدوا بقاءه على العهد وجموع غفيرة من أهله وأقربائه ممن عرفوه وأحبوه، فأتوا ليودعوه لآخر مرة ولينم بالقرب منهم بعد أن قضى حياته في المهجر بعيدا عنهم.
    2- الإنتاج الفكري والبحوث العلمية المطبوعة:
    في الأبحاث والدراسات:
    ـ شعراء من الجزائر القاهرة 1969
    ـ صفحات من الجزائر الجزائر 1974
    ـ الشعر الجزائري الحديث الجزائر 1975
    ـ الجزائر والأصالة الثورية الجزائر 1978
    ـ شعر المقاومة الجزائرية الجزائر 1982
    ـ في ذكرى الأمير عبد القادر الجزائري الجزائر 1984
    ـ في رحاب المغرب العربي بيروت 1985
    في الشعر:
    ـ صرخة الجزائر الثائرة قطر 1958
    ـ نوفمبر قطر 1961
    ـ أطلس المعجزات الجزائر 1967
    ـ أنت ليلاي الجزائر 1974
    ـ من أعماق الصحراء بيروت 1991
    في الأدب الجزائري الحديث
    ـ المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث الجزائر 1983
    ـ عمر بن قدور الجزائري الجزائر 1984
    ـ حمود رمضان الجزائر 1983
    ـ محمد السعيد الزاهري الجزائر 1986
    ـ محمد العيد آل خليفة الجزائر 1986
    ـ الأديب الشهيد أحمد رضا
    حوحو في الحجاز بيروت 1991
    في الإسلاميات:
    ـ الشيخ عبد العزيز الثعالبي، من آثاره وأخباره في المشرق والمغرب
    بيروت 1995
    ـ تحقيق الرسالة المحمدية للثعالبي
    دمشق ـ بيروت 1997(7)

    يتبع...


    _________________
    اللهم انك عفو تحب العفو فأعف عني واني اسألك حسن الخاتمة

    72fifi



    انثى
    عدد الرسائل : 3347
    البلد : الجزائر ( المنيعة)
    العمل/الترفيه : الانترانت
    نسبة النشاط :
    50 / 10050 / 100

    السٌّمعَة : 2
    تاريخ التسجيل : 10/01/2007

    بطاقة الشخصية
    نقاط التميز: 170
    الأوسمة:

    default رد: من أعلام الجزائر الشاعر والديب صالح خرفي

    مُساهمة من طرف 72fifi في الثلاثاء 4 ديسمبر 2007 - 16:28

    3- العوامل المؤثرة في شخصيته:
    من خلال تتبعنا للمسار العلمي الذي سلكه الدكتور صالح الخرفي في المرحلة المبكرة من حياته نستطيع أن نستخلص منها جملة أمور كان لها الفضل في تكوينه وصنع منه الرجل الذي عرفناه، ويمكن لنا أن نحدد ذلك في ما يلي:
    1-العلماء الذين تتلمذ على يدهم
    2- البيئات العلمية التي ترعرع فيها
    3- الأوضاع السياسية والاجتماعية التي عايشها
    1- العلماء الذين تتلمذ على يدهم:
    لقد تفضل القدر على أديبنا صالح الخرفي بأن منحه الاحتكاك المباشر والقريب برجال عظام أوتوا صدق الإيمان وقوة الشخصية وجلد العزيمة وسعة العلم فاستطاعوا أن يغرسوا في قلبه وروحه العزيمة والصمود لمواصلة درب العلم والثبات على نهجه في زمان صعب فيه مثل ذلك وأصبح لا يتأتى إلا لذوي العزائم القوية. فقد عرف في معهد الحياة بالقرارة فضيلة الإمام الشيخ بيوض ورفيق دربه في الجهاد والتعليم الشيخ عدون ـ حفظه الله ـ حيث وجد في الرجلين كل معاني العظمة والإخلاص وبذل النفس والتضحية بكل غال وعزيز من أجل بلوغ ما آمنا به وتعاهدا على تحقيقه ألا وهو تنوير المجتمع بنور العلم والإيمان وإصلاح أوضاعه برسالة الإسلام والعقيدة، فكانا مثلين أمامه اقتدى بهما وانطبعت في ذاكرته صورتهما المثلى التي دفعت به ليصل إلى ما وصل إليه.
    إلى جانب أساتذة آخرين آزروا الإمامين بيوض وعدون وكانوا الأذرع المساعدة لهما نذكر منهم الأستاذ المؤرخ محمد علي دبوز والشيخ الفقيه الناصر المرموري والشيخ المحدث إبراهيم آداود.
    هذا في وادي ميزاب وفي أرجاء الجزائر العامرة فبلا شك أنه كان يتابع ويتأثر بما كان يبذله رجال جمعية العلماء من صالح الأعمال لخدمة وطنهم والإصلاح من أوضاعه، ومن المعروف على أديبنا ما مدى إعجابه بشخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي ومحاولة التقرب منه كلما سمحت له الفرصة بذلك، ولقد تجلت هذه العلاقة بوضوح أيام كان صالح الخرفي في القاهرة حيث اقترب التلميذ من شيخه ونهل من علمه وتجربته في الكفاح والوطنية(Cool.
    وفي خارج الجزائر كان لأديبنا الحظ أن يجلس أمام علماء ومشايخ جامع الزيتونة وتأثر بهم كذلك ولعل من أبرز الشخصيات العلمية التي عرفت آنذاك الشيخ الفاضل بن عاشور أحد أعلام تونس المعاصرة وأقطابها العلمية، الذين تركوا آثارهم وبصماتهم بوضوح في كل الطلبة والبعثات العلمية التي قصدت الزيتونة آنذاك للاعتراف من علمها.
    وبلا شك أنه أثناء تنقله لمواصلة دراسته في مصر قد التقى مع كوكبة أخرى من مثقفي مصر وأدبائها الذين أحدثوا حركية فكرية وأدبية عظيمة خلال تلك الفترة، ولا تزال تداعياتها في أرجاء الوطن العربي الإسلامي إلى يومنا هذا.
    2- البيئات العلمية التي نهل منها:
    عايش شاعرنا صالح الخرفي ثلاث بيئات علمية كل منها تحمل طابعا متميزا يحمل مقومات وأسس للنهوض الفكري والاقلاع الحضاري. مع الاشتراك في الأهداف القاعدية والمبادئ الأساسية المتمثلة في خدمة دين الإسلام والانتصار لمبادئه وخدمة اللغة العربية وعلومها والتمكن من فنونها النثرية والشعرية، واعتبارها أداة فعالة في تنوير الفكر بغية النهوض بالأمة وإصلاح أوضاعها الاجتماعية والسياسية وإخراجها من دائرة التخلف والتردي الذي تشهده مختلف مجالات الحياة لديها مع بروز ملامح فجر لنهضة وحضارة آتية جديدة.
    ففي وادي ميزاب وبمعهد الحياة بالذات عايش أجواء علمية في مؤسسة عريقة كانت تشهد أوج عطائها وعنفوانها وأزهى أيامها من ازدهار لحلقات العلم وتنوعها في مجالات الشريعة والأدب بشعره ونثره تحت رعاية كوكبة من المشايخ والأساتذة، منهم من نهل علومه في قرى وادي ميزاب ومنهم من كان عصامي التكوين ومنهم من رجع من رحلات علمية قادته إلى المشرق. فشكل كل ذلك باكورة من التجارب ذات مشارب عديدة تقدم للطلبة.
    أضف إلى ذلك أن المعهد كان يحتوي على أنشطة ثقافية تجعل من مواهب الشباب تتفتق وتبرز بما استحدث من منتديات وحلقات ولقاءات دورية للتدرب على الخطابة وقرض الشعر وكتابة القصة والرواية. هذا ما أحدث تنافسا علميا بين الطلبة في نيل قصب السبق في تلك المسابقات والدورات الثقافية.
    هذا عن معهد الحياة وإذا انتقلنا إلى البيئة العلمية في جامع الزيتونة فإنها لا تقل أهمية عن سابقتها من زخم فكري وتنوع معرفي في حلقات علمية حافلة، يقودها علماء أجلاء ومشايخ أكفاء أوتوا تضلعا في علوم الشريعة والأدب ونهلوا علومهم من مختلف المعاهد في أرجاء بلاد الإسلام الشاسعة، هذا ما زاده معرفة وتوسيعا في مداركه وصقلا لمعارفه وتكوينه، فنضج عقله واستقام عوده وتوسعت مداركه.
    ولا ننسى هنا أن ننوه بالنظام المتبع في الداخلية المخصصة لإقامة الطلبة القادمين من وادي ميزاب، حيث كان يشرف عليهم أساتذة ومشايخ وهبوا كل أنفسهم وأوقاتهم لأجل رعاية هذا النشء وتربيته على الانضباط والأخلاق وتهيئة الأجواء المساعدة على التفرغ لتلقي العلوم نذكر منهم: الشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ إبراهيم أبا اليقظان والشيخ محمد الثميني.
    وبعد انتقال شاعرنا إلى القاهرة سمح له مستواه ونضجه الذي بلغه بعد مراحل التلقي التي قضاها في معهد الحياة والزيتونة من الاحتكاك بالنخبة العلمية في جامعة القاهرة وإضافة الجديد إليها ومقارنتها وتنقيحها مع توسيع المدارك عن طريق المحافل الأدبية التي تزخر بها أرجاء مصر والقاهرة خصوصا في ذلك الزمان.
    3- الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي عايشها:
    في فترة الأربعينات والخمسينات كانت البلاد العربية الإسلامية جلها تعيش غليانا اجتماعيا وثورانا سياسيا وتحركا نهضويا ضد الاستعمارات الغربية المحتلة، وضد تردي الأوضاع الاجتماعية التي تعيشها الشعوب من تخلف وجهل وحرمان. ومن فهم تقليدي وجامد للدين انحصر في مجال العبادات دون شموله لمجالات الحياة الأخرى وكونه دافعا لتفعيلها.
    هذا ما تمخض عنه بروز دعوات للإصلاح والتغيير في مختلف الأقطار العربية قادها علماء ورجال عظام كل حسب خصوصيات شعبه وبيئته.
    ففي وادي ميزاب قاد حركة الإصلاح الشيخ إبراهيم بيوض وحرك من حوله كل شرائح المجتمع وأحدث نقلة نوعية في سير أحواله، فجدد وغير وحذف وقلب الكثير من الأمور التي كانت في مصف المسلمات رأسا على عقب.
    فكان أول من استفاد من هذا الإصلاح طلبة معهد الحياة، الذي كان شاعرنا واحدا منهم فكانوا يشهدون عن قرب أعمال قائدهم وإمامهم ويتفاعلون معها بشعرهم وخطبهم الحماسية لمؤازرة شيخهم وإيصال أفكاره إلى القواعد العميقة في المجتمع.
    ويتعلمون منه طرق الإصلاح وتدرج التغيير ويقرؤون في شخصيته خصائص القائد الناجح والإمام المرشد والأب العاطف والخطيب البارع، ويحاولون تقليده في كل ذلك.
    هذا في وادي ميزاب وفي الجزائر عامة كانت أعمال جمعية العلماء المسلمين والحركة الوطنية تصل أسماع الشباب ويتتبعون أخبارها ومستجداتها في مناهضة الاستعمار الفرنسي وفضح جرائمه.
    وعندما سافر أديبنا إلى تونس وجد جوا آخر أسهم في تكوين شخصيته، في شقها السياسي والإعلامي، وذلك باحتكاكه بإطارات وطلبة جبهة التحرير الوطني في الخارج ومشاركتهم في أعمالهم، وتعامله مع وسائل الإعلام التونسية وتعرفه على أهمية دورها وخطورته.
    وعندما استقر طالبا في مصر عايش لحظات ابتهاج القومية العربية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر. وعايش الوحدة السورية المصرية، هذا ما ترك وقعا وأثرا عميقا في نفسية شاعرنا استمرت معه طوال حياته، وتجلت في اهتماماته الفكرية وكتاباته وتأليفاته، التي كانت ترفع شعار العروبة وتتصدى لأعدائها، وتدعو إلى وحدة الشعوب العربية والانتصار لمقوماتها.
    هذه هي شخصية صالح الخرفي في أبعادها العميقة، مرت على هذا القرن فسجلت بصماتها ومضت تاركة آثاراها للأجيال تقرأها في صفحات التاريخ.
    الهوامش:
    (1) هذا ما عرفناه عليه منذ بدأنا نعقل في سنوات الثمانينات والتسعينات، إذ كان يزور بلدة القرارة في المناسبات ويلتقي بمشايخه ورفقائه في جلسات اخوانية حميمية يتبادلون فيها الأخبار ويتناقشون في مسائل حول مستجدات الأمور.
    وكذا ما عرفناه عليه من خلال تلك الكلمات وتلك المحاضرات والأمسيات الثقافية والشعرية التي كان يعقدها بين الحين والآخرفي فترة تواجده بالقرارة.
    (2) كل ما احتوت عليه هذه الترجمة من معلومات مصدرها كتاب الدكتور صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، حيث تضمن في ثناياه نماذج من قصائده وتفاصيل عن حياته منذ ميلاده وكونه طالبا في معهد الحياة ببلدته القرارة إلى المحطات الأخيرة قبيل وفاته.
    صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1991
    (3) في إحدى زياراته لبدته القرارة في بداية التسعينات تحدث في كلمة له عن جهوده في جمع هذا الثراث وعن نيته في طبعه.
    (4) مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة ـ الجزائر، العدد الرابع، نشر جمعية التراث (القرارة ـ غرداية)، 1999
    (5) حصل لي شرف زيارة الدكتور صالح الخرفي في تونس العاصمة في رحلة إليها في مارس من سنة 1996م، وخلال اللقاء حدثني بإسهاب عما لاقاه تراث الشيخ عبد العزيز الثعالبي من تضييع وإهمال، وعما لاقاه من تبقى من أتباعه من تهميش وإقصاء من الساحة والوطنية، وإتلاف كل ما له صلة بالحركة الوطنية التي كان يقودها الزعيم الثعالبي. كما حدثني عما لاقاه كتابه من ترحيب لدى التونسيين وعن اهتمام وسائل الإعلام به.
    (6) لقاء مع الأستاذ بالحاج شريفي (أحد أصدقاء الدكتور صالح الخرفي ورفقاء دربه)، الجزائر العاصمة، نوفمبر 2000م
    (7) القائمة الكاملة لمؤلفاته موجودة في كتابه السالف الذكر: من أعماق الصحراء، وكذا في مجلة الحياة المعتمدة سابقا.
    (Cool صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، ص85.



    _________________
    اللهم انك عفو تحب العفو فأعف عني واني اسألك حسن الخاتمة

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 26 فبراير 2017 - 8:29